ابن المقفع
202
آثار ابن المقفع
والسحاب والجبل فلم تزل تتخيرهم « 1 » حتى رجعت إلى أصلها وتزوجت الجرذ . قيل له : وكيف كان ذلك ؟ مثل الناسك والفأرة قال : زعموا انه كان ناسك مستجاب الدعوة فبينما هو ذات يوم جالس على ساحل البحر إذ مرت به حدأة « 2 » في رجلها درص « 3 » فأرة ، فوقعت منها عند الناسك وأدركته لها رحمة فأخذها ولفها في ورقة وذهب بها إلى منزله . ثم خاف ان تشق « 4 » على أهله تربيتها فدعا ربه أن يحولها جارية فتحولت جارية حسناء . فانطلق بها إلى امرأته فقال لها : هذه ابنتي فاصنعي معها صنيعك بولدي . فلما كبرت قال لها الناسك : يا بنية أختاري من أحببت حتى أزوجك إياه . فقالت : أما إذا خيرتني فاني اختار زوجا يكون أقوى الأشياء . فقال الناسك : لعلك تريدين الشمس . ثم انطلق إلى الشمس فقال : أيها الخلق العظيم ، لي جارية وقد طلبت زوجا يكون أقوى الأشياء ، فهل أنت متزوجها ؟ فقالت الشمس : أنا أدلك على من هو أقوى مني ، السحاب الذي يغطيني ويرد جرم شعاعي ويكسف أشعة انواري . فذهب الناسك إلى السحاب فقال له ما قال للشمس . فقال السحاب : وأنا ادلك على من هو أقوى مني . فاذهب إلى الريح التي تقبل بي وتدبر « 5 » ، وتذهب بي شرقا وغربا . فجاء الناسك إلى الريح فقال لها كقوله للسحاب . فقالت : وانا ادلك على من هو أقوى مني وهو الجبل الذي لا أقدر على تحريكه . فمضى إلى الجبل فقال له القول . فأجابه الجبل وقال له : أنا ادلك على من هو أقوى مني ، الجرذ الذي لا أستطيع
--> ( 1 ) تتخيرهم : تنتقي منهم . ( 2 ) حدأة : طائر . ( 3 ) درص : ولد الفأرة . ( 4 ) تشق : تصعب . ( 5 ) تدبر : عكس تقبل أي تمضي بعيدا عني .